ركز سماحة الشيخ محفوظ الزويد في خطبته يوم الجمعة الماضي 11 ربيع الأول 1431هـ بمسجد المصطفى ببلدة القارة حول مفهوم التقوى ودورها في نصرة قضية الإمام المهدي سلام الله عليه من خلال أربعة محاور: 1- تطبيق العمل لكل الأحكام الدينية. 2- حفظ حقوق افمام المهدي عجل الله فرجه الشريف. 3- قضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. 4- الدعاء للإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف.
وفيما يلي نص الخطبة كاملة:
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) من الأسئلة التي تطرح حول قضية انتظار الإمام المهدي عجل الله فرجه
كيف ننصر الإمام المهدي عجل الله فرجه ؟
ما هي الأمور التي أستطيع أن أقوم بها في أثناء عملية الانتظار ؟
ما هي القضايا التي أتحمل مسؤوليتها لكي اُسرع في خروج الإمام المهدي عجل الله فرجه؟
والكثير من الأسئلة والإجابات عديدة والحديث ذو شجون، ولكن حديثي سيكون حول دور التقوى في نصرة الإمام المهدي عجل الله فرجه.
مفهوم التقوى :
التقوى : من " الوقاية " بمعنى الحفظ ، وتعنى : وقاية النفس من عصيان أوامر الله ونواهيه ، وما يمنع رضاه سبحانه وتعالى ، أي أن الإنسان يجعل نفسه في وقاية من التمرد وترك أوامر الله ونواهيه ، بأن يجعل نفسه في حصانة قوية جداً بحيث لا يترك الأوامر الإلهية الوجوبية والزجرية .
وقد يحصل الإنسان درجة أقوى منها بحيث يتجنب المتشابهات أي الأمر الذي ربما يكون منهي عنه أو محرم فيتركه ويبتعد عنه .
لذا جاء في الحديث: (ومن أخذ بالشبهات وقع في المحرمات وهلك من حيث لا يعلم ) يعني صار عندي تردد في شيء هل هذا محرم أم لا ؟ هل هذا مفروض أم لا ؟هل هذا لا يرضى به الله أم لا ؟
وقاية لنفسي بحيث أنني أقع في المحرم من حيث لا أعلم، يجب عليّ أن ابتعد عن هذا الشيء .
التقوى دار حصن عزيز ، والفجور دار حصن ذليل ، التقوى ليست من مدارج الكمال ، ولكن بدون التقوى لا يمكن أن يصل الإنسان إلى أول خطوة من خطوات الكمال ، ولا يتحصل إلى مقام من مقامات السير والسلوك نحو الله تعالى ، لان النفس مادامت تميل إلى المشتهيات واللذائذ النفسية ، فالنفس لا يمكن أن تصل إلى اول مقامات الكمال .
وجاء في الحديث : "التقوى غاية لا يهلك من أتبعها ، ولا يندم من عمل بها ، لأن بالتقوى فاز الفائزون ، وبالمعصية خسر الخاسرون " .
التقوى هي مفتاح السعادة، هي بوابة الارتباط بالله تعالى. والإنسان سواء في بعديه الجسدي أو الروحي معرض بأن يُصاب بأمراض سواء في الجانب الجسدي أم الروحي، فأيهما أشد وأعظم على الإنسان ؟ وأيهما أدوم ؟هل الأمراض الجسدية أم الروحية ؟
في حقيقة الأمر عندما يأتي العرفاء إلى هذا الجانب يقولون ليس هناك قياس بين الأمراض الجسدية والأمراض الروحية . لماذا ؟
اذا جئنا للأمراض الجسدية هي أمراض مؤقتة لفترة معينة يعيشها الإنسان ما دام في هذه الدنيا ، فبمجرد أن تفارق روحه جسده لا يكون هناك ألم جسدي .
لكن الأمراض الروحية أي نوع منها صغيراً كان أم كبيراً تبدأ الآلام غالباً وربما أولياء الله يشعرون بهذه الأمراض الروحية كفقد لذة المناجاة والخشوع والطمأنينة في الصلاة وهكذا في كثير من الوقائع يكون لديهم شعور وتوجه وعندهم معرفة وبصيرة من الله تعالى .
وهذه نعمة كبيرة بأن يلتفت الإنسان إلى أمراضه الروحية في هذه الدنيا، وإلا في الغالب لا يلتفت الإنسان لهذه الأمراض وتبقى موجودة عنده وتظهر بمجرد أن تخرج الروح من البدن بعكس الأمراض الجسدية فهي تنتهي بخروج الروح من الجسد.
لذا لم ينقل لنا يوماً إن إنساناً في عالم البرزخ اشتكى الألم من رأسه أو معدته أو غير ذلك من الأمراض الجسدية لكن العرفاء والرؤية التي تحصل من قِبل الكثير حيث يرى في عالم الرؤية أن الكثير يشتكي الأمراض الروحية وهو في القبر بل قبل ذلك فربما بمجرد أن تخرج الروح .
فلماذا تكون سكرات الموت شديدة عند البعض ؟
كلما كان الإنسان متعلقا بهذه الدنيا أكثر كان النزع عليه أشد وكلما كانت الحجب الموجودة عند الإنسان أكثر كان نزع الروح أكثر وأعظم .
والإنسان يرى ملك الموت كما كانت أعماله في الدنيا، ويرى أمير المؤمنين عليه السلام كما كان يعتقد به. فأمير المؤمنين حاضر عند المؤمن في حال نزع روحه كما جاء في الروايات .
اذاً هذه الآلام والأسقام تأتينا عند نزع الروح والإنسان بإمكانه في هذه النشأة أن يتقي الشدائد ( يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية) النفس المطمئنة بالله تعالى .التي تحمل الأخلاق السليمة والمعتقدات الصحيحة ترجع إلى الله وهي مطمئنة وزيادة على الاطمئنان هي راضية مرضية .
هذه مقامات لكن نتيجة ارتباطنا بعالم الحس لا نشعر بهذه الكلمة ( راضية ، مرضية ) نتيجة الحجب الموجوة عندنا .
هذا شيء مختصر للتقوى ونتيجة التقوى عند الإنسان .
• دور التقوى في نصرة الإمام المهدي عجل الله فرجه :
أولاً: تطبيق العمل لكل الأحكام الدينية :
الإنسان المتقي يحاول التعرف على أحكام الله فالتقوى تحتاج إلى معرفة ما ينبغي فعلـُه من الخصال المحمودة والكريمة ، وايضا ما يلزم تركه من أضداد الخصال الكريمة ، ثمة يأتي منه سعي نحو التطبيق، ولا قيمة للعلم ولا للاعتقاد دون التطبيق والعمل ، حيث أن العلم مقرون بالعمل .
إن الشيطان يعتقد بالله وبخالقتيه ( خلقتني من نار وخلقته من طين ) وأيضا كان يعتقد بيوم القيامة ( أنظرني إلى يوم يبعثون ) ومع ذلك فقد خاطبه الله تعالى بالكفر وخرج من زمرة أهل الإيمان ، فعلمنا ومعرفتنا إذا لم تكن متقارنة مع العمل لا يكون لها معيار في الميزان الإلهي لذا قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون )
وقال الإمام الصادق عليه السلام: ( كونوا دعاة لنا بغير ألسنتكم) فيكون عندنا تطبيق للأحكام الإلهية يُرى حقيقة الإيمان والأحكام الإلهية متجسدة عندنا في السلوك الخارجي.
بعبارة أخرى يكون عندنا مجتمع ديني وإلهي. الذي ينتظر الإمام المهدي عجل الله فرجه .
ينتظر أن يكون لدينا مجتمع مثالي ينصاع لأحكام الله تعالى، فلا تكون الأحكام الإلهية غريبة لديه ، فلو كانت غريبة سوف يرفض الأحكام التي سيأتي به الإمام المهدي عليه السلام وهو " سلام الله عليه وعجل الله فرجه " سوف يأتي بالأحكام الواقعية التي جاء بها النبي الأكرم صلى الله عليه واله فأحياناً لا تكون هناك طاقة حتى عند العالم لتقبل هذه الأحكام التي يطرحها الإمام المهدي عجل الله فرجه لذا لدينا مجموعة من الروايات تقول أن هناك من العمائم من تقف في وجه الإمام المهدي عجل الله فرجه .
فإذا رأوا الإمام المهدي عجل الله فرجه يطبق الأحكام بحذافيرها يقولون هذا ليس من آل محمد وليس من أهل البيت لغرابة بعض الأحكام عليهم أو أنها تصطدم مع مصالحهم ، لذا سعينا للتعرف على الأحكام الإلهية ومحاولة تطبيقها لكي تأنس بها الروح و العقل والمجتمع فلا تكون فيما بعد غريبة علينا إذا جاء بها الإمام المهدي عجل الله فرجه.
قال عليه السلام :(كونوا زينا لنا ولا تكونوا شينا ) أي نكون زينة يتزين بنا الدين والمذهب لذا من الطريق المهمة في الدعوة والتبليغ لمذهب أهل البيت عليهم السلام جانب التطبيق أي ( الهداية العملية ) ، حينما عاصرنا الانتصارات الأخيرة في حرب تموز 2006، كان للوعود التي أطلقها عالم من علماء مدرسة أهل البيت " عليهم السلام " اوجد العالم مصداقية لوعوده ، كيف انجذب الناس نحو هذا الرجل العظيم ، وأصبح البعض يبحث عن المدرسة التي تخرج منها السيد حسن نصر الله ، ولذا الكثير دخل في دائرة هذه المدرسة العظيمة ، وهي مدرسة علي والحسين " عليهما السلام " وأصبحت أفكار وخطب هذا القائد ، يتغنى بها الكبير والصغير .
• ثانياً : حفظ حقوق الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف .
حقوق الإمام المهدي " عليه السلام " كثيرة ولها أبعاد متعددة لكن من الجوانب المهمة في الانتظار وفي عملية نصرة الإمام المهدي عجل الله فرجه هناك شيء مُتسالم به في مدرسة أهل البيت عليهم السلام وهو قضية حفظ حقوق الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف المالية ، هذا حق للإمام يطالبنا به الإمام ويخاصمنا عندما نقصر في أداء حقه ، فإذا أصبح عندي تقوى وخوف وميل وشوق لكي أنفذ أوامر الله ، إذا وجب عليّ هذا الحق أؤديه .
ومن جانب آخر من يصل إليه هذا المال من الوكلاء الشرعيين للمرجعية العظمى عليه أن يتقي الله تعالى فالتقوى ضرورية من جانب المُعطي والآخذ .
ما هو مجال الاستفادة من هذا الجانب المالي في المجتمع؟ نحن نعرف أن الخمس يقسم إلى قسمين (قسم حق للسادة والقسم الآخر حق للإمام ) وحق الإمام يُبذل في كل أمر يُرضي الله ويرضى به الإمام المهدي عليه السلام في المجتمع كتأسيس المدارس والمساجد وترتيب الشوارع وطباعة الكتب وتأسيس المراكز العلمية والمكتبات ، وابتعاث الشباب للدراسة ،و ترتيب وضعنا الاجتماعي كتزويج الشباب وحل الكثير من المشاكل لكن نحتاج لإدارة جيدة وأشخاص يحملون معرفة ووعي للساحة والمجتمع ، وعي من قبل المُعطي ومن قِبل الآخذ ، فهناك نقص في الساحة من جانب المُعطي والآخذ .
من القضايا التي أدعو إليها بإصرار أن يستفاد من الخمس في المنطقة والبلدة، أيها الأخوة الأعزاء علينا إذا ذهبنا لدفع الخميس عند الوكلاء الشرعيين ، أن نطلب منهم إرجاع إلينا جزء من المبلغ المخمس لكي نصرفه في احتياجات بلدتنا هذه ؟ نطلب منه أن يخصص مبلغا معينا كالعشر أو الربع أو النصف مثلا من المال الذي ندفعه ، لكي ندخله في مشاريع البلد .
وضعنا الحالي غير جيد ولا يناسب شأننا نحن أهل هذه البلدة ، في جميع الأصعدة ، القارة لا تملك مسجدا يناسب شأنها لماذا هذا ؟ وبالنسبة للنشاط الفكري والثقافي والاجتماعي ومؤسساتنا الاجتماعية كجمعية المواساة وجمعية الزواج الجماعي ولجنة التنمية واللجنة الدينة ، واللجة النسائية وغيرها ، كلها تعيش العجز المالي ، لماذا لا نؤمن جزءاً من ذلك من الخمس ؟؟!!
هناك أشخاص يصرون لنقل الأموال إلى خارج البلدة ويستفيد منها الآخرون ، فهذا حاله كحال الإنسان الذي يغدق الأموال على ابن الجيران وابنه عاري، او الذي يتصدق على الفقراء الأجانب ويترك أقربائه حفاة عراة .
• ثالثاُ : قضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
هذا له دور كبير في إصلاح الفساد الأخلاقي والمالي في المجتمع ولكل فساد. أيضا الأمر بالمعروف يُجد احياء للشعائر الدينية وتحريك للواجبات الإسلامية في المجتمع .
• ماهي طرق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؟
قد أأتي لإنسان وآمره عن طريق القول فأقول له : لاتفعل هذا الشيء . هذا الطريق ممكن أن استفيد منه من خلال عقد مجالس العقد والإرشاد والدروس في المجتمع .
وأيضاً : من خلال النت والفضائيات هذه كلها قد تقوم بدور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
فنستطيع القيام بمجالس الوعظ والإرشاد كمجالس الإمام الحسين عليه السلام ومواليد الأئمة عليهم السلام والوفيات ونستفيد منها استفادة جيدة بحيث نركز على الخطيب في دقة اختياره للمواضيع المطروحة فلا يكون اختياره عفويا .
(رحم الله من احيا أمرنا ) الترحم على الإنسان الذي يؤدي المسؤولية بمستواها وبالجهد الذي يستطيعه .
فلو تُشكل لِجان ثقافية للحسينيات يكون دورها دراسة الوضع الاجتماعي والأخلاقي والتربوي والثقافي ثم الإتيان بالخطيب الذي يعالج هذه القضايا وليكن فرض المواضيع من قِبل اللجنة التابع للحسينية.
أحياناً ربما يتناغم الخطيب في حديثه مع صاحب الحسينية لكنها في المجتمع ليست ذات قيمة، فلو كانت هناك لجنة ثقافية يكون لها دور في اختيار المواضيع التي يحتاج لها المجتمع .
النت أيضاِ: من السهل تأسيس موقع وإدارته لكن يحتاج لإدارة سليمة فموقع القارة مثلا يعيش أزمة عزوف الكتّاب عنه ، والعجز المالي من قِبل المجتمع والعجز من حيث الطاقات البشرية التي تقف في جنب هذا الموقع .
فنحن نستطيع من خلال هذا الموقع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتبيين الأحكام الإلهية ونشر الفضيلة في المجتمع فهي وسيلة جداً سهلة لماذا لا نستفيد منها ؟
رابعاً : الدعاء للإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف .
الإنسان إذا كان متقي يكون لديه ارتباط بالإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف ، أحياناً يكون الإمام منسي من خارطة الدعاء منا نتيجة لعدم المعرفة ، لكن لو كنا على معرفة وتقوى بالله فإمامنا لا يغيب عنا كما أنه ليس ببعيد عنا فهو يحيطنا برعايته وألطافه سلام الله عليه ولولاه لساخت بنا الأرض ولا استطاع الطغاة أن يمحو وجودنا لكن وجود الإمام المهدي هو صمام الأمان لهذه الدنيا وهذه الصراعات التي نعيشها.
التشيع مستهدف من قِبل أكبر مؤسسة في العالم إلى أصغر مؤسسة لكن لا يستطيعوا أن يزيلوا ذرة من هذا الكيان بل سيبقى شوكة في عيون الظلمة إلى أن يخرج ولي الله في الأرض .
وللدعاء لسلامة الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف ولحفظه ونصرته والتعجيل بفرجه له دور في عملية النصرة للأمام المهدي عجل الله فرجه الشريف .
اختم هذا الحديث بالدعاء للإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف :
"اللهم كن لوليك الحجة ابن الحسن صلواتك عليه وعلى آباءه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليا وحافظا وقائدا وناصرا ودليلا وعينا حتى تسكنه أرضك طوعا وتمتعه فيها طويلا برحمتك يا أرحم الراحمين"